Breaking News
Loading...

الحضانة في فقه المذاهب الخمسة

ليس للحضانة أيّة علاقة بالولاية على زواج الطفل، ولا على أُمواله، وإنّما هي رعايته من أجل تربيته وصيانته في المدة التي يحتاج فيها إلى النساء،
وهي حق للأُم بالاتفاق. واختلفوا في المدة التي تنتهي فيها حضانة الأُم، وفي الأولى بها بعد الأُم، وفيما يشترط بالحاضنة، واستحقاقها للأجرة، إلى غير ذلك ممّا نبيّنه فيما يلي:

مستحق الحضانة:

إذا تعذّر على الأُم أن تحضن ولدها فإلى مَن ينتقل حق الحضانة؟

الحنفية قالوا: تنتقل من الأُم إلى أُم الأُم، ثمّ أُم الأب، ثمّ الأخوات الشقيقات، ثمّ اللائي لأُم، ثمّ اللائي لأبٍ، ثمّ بنت الأخت الشقيقة، ثمّ بنت الأخت لأُم، وهكذا حتى تنتهي إلى الخالات والعمات.

المالكية قالوا: تنتقل من الأُم إلى أُمها وإن علت، ثمّ الخالة الشقيقة، ثمّ الخالة لأُم، ثمّ خالة الأُم، ثمّ عمة الأُم، ثمّ عمة الأب، ثمّ أُم أُمه، ثمّ أُم أبيه الخ.
٣٧٧

الشافعية قالوا: الأُم، ثمّ أُم الأُم وإن علت بشرط أن تكون وارثة، ثمّ الأب، ثمّ أُمه، ثمّ أُم أُمه وإن علت بشرط أن تكون وارثة، ثمّ الأقرب من الإناث، ثمّ الأقرب من الذكور.

الحنابلة قالوا: الأُم، ثمّ أُمها ثمّ أُم أُمها، ثمّ الأب، ثمّ أُمهاته، ثمّ الجد، ثمّ أُمهاته، ثمّ الأخت لأبوين، ثم لأُمٍ، ثمّ لأبٍ، ثمّ الخالة لأبوين، ثمّ لأُمٍ الخ.

الإمامية قالوا: الأُم، ثمّ الأب، وإذا مات الأب أو جنّ بعد أن انتقلت إليه الحضانة، وكانت الأُم ما زالت في قيد الحياة عادت إليها الحضانة، وكانت أحق من جميع الأقارب بما فيهم الجد لأبٍ، حتى ولو كانت متزوجة من أجنبي، وإذا فُقد الأبوان انتقلت الحضانة إلى الجد لأبٍ، وإذا فُقد ولم يكن له وصي كانت الحضانة لأقارب الولد على ترتيب الميراث، الأقرب منهم يمنع الأبعد، ومع التعدد والتساوي - كجدة لأُمٍ وجدة لأبٍ وكالعمة والخالة - أُقرِع بينهم مع الخصومة والتشاح، فمن خرجت القرعة باسمه كان أحق بالحضانة إلى أن يموت أو يُعرض عن حقه(١) ، وهذا هو رأي الحنابلة. (المغني ج٩ باب الحضانة).

شروط الحضانة:

اتفقوا على أنّه يشترط في الحاضنة أن تكون عاقلة أمينة عفيفة، لا فاجرة ولا راقصة، ولا تشرب الخمر، ولا تهمل رعاية الطفل، والغاية من هذه الصفات الاحتفاظ بالطفل صحياً وخلقياً. وهذه الشروط معتبرة أيضاً في الحاضن.

____________________

(١) الجواهر والمسالك باب الزواج مسألة الحضانة.
٣٧٨

واختلفوا: هل الإسلام شرط؟ قال الإمامية والشافعية: لا حضانة لكافرٍ على مسلم.

وبقية المذاهب لم يشترطوا الإسلام، إلاّ أنّ الحنفية قالوا: ارتداد الحاضن أو الحاضنة يسقط الحضانة.

وقال الإمامية: يجب أن تكون الحاضنة سليمة من الأمراض السارية.

وقال الحنابلة: تجب سلامتها من البرص والجذام، والمهم أن لا يتضرر الطفل.

وقال الأربعة: إذا طُلّقت الأُم وتزوجت برجل أجنبي عن الطفل تسقط حضانتها، أمّا إذا كان الزوج رحماً للصغير فتبقى الحضانة.

وقال الإمامية: تسقط حضانتها بالزواج مطلقاً، سواء أكان الزوج رحماً أم أجنبياً.

وقال الحنفية والشافعية والإمامية والحنابلة: إذا طُلّقت الأُم من الزوج الثاني يرتفع المانع، وتعود حضانتها بعد أن سقطت بالزواج.

وقال المالكية: لا تعود.

مدة الحضانة:

قال الحنفية: مدة الحضانة سبع سنين للذكر، وتسع للأنثى.

وقال الشافعية: ليس للحضانة مدة معلومة، بل يبقى الطفل عند أُمه حتى يُميّز ويمكنه أن يختار أحد أبويه، فإذا وصل إلى هذه المرحلة يُخيّر بين أُمه وأبيه، فإن اختار الولد الذكرُ الأُم مكث عندها في الليل، وعند أبيه في النهار؛ كي يقوم بتعليمه، وإذا اختارتها الأنثى تستمر عندها ليلاً ونهاراً، وإن اختار الطفل الأب والأُم معاً أُقرع بينهما، وإذا سكت ولم يختر أحداً منهما كان للأُم.
٣٧٩

وقال المالكية: مدة حضانة الغلام من حين الولادة إلى أن يبلغ، والأنثى حتى تتزوج.

وقال الحنابلة: مدة الحضانة سبع سنين للذكر والأنثى، وبعدها يُخيّر الطفل بينهما، ويكون مع من يختار منهما.

وقال الإمامية: مدة الحضانة للذكر سنتان، وللأنثى سبع سنين، وبعدها تكون للأب إلى أن تتم الأنثى تسعاً، والذكر خمس عشرة سنة يختار أي الأبوين يشاء(١) .

أجرة الحضانة:

قال الشافعية والحنابلة: للحاضنة الحق في طلب الأجرة على الحضانة أُماً كانت أو غيرها، وصرح الشافعية بأنّه إن كان للصغير مال فالأجرة في ماله، وإلاّ فعلى الأب أو مَن تلزمه نفقته.

وقال المالكية والإمامية(٢) : لا تستحق الحاضنة أجرة على الحضانة، ولكنّ الإمامية قالوا: لها أجرة الرضاع، فإن كان للرضيع مال أُعطيت منه الأجرة وإلاّ فعلى الأب إن كان موسعاً. (الفقه على المذاهب الأربعة ج٤، والمسالك ج٢).

وقال الحنفية: تجب الأجرة للحاضنة إن لم تكن الزوجية قائمة بينها وبين أبي الولد، ولم تكن معتدة من طلاقه الرجعي، وكذلك إذا

____________________

(١) إنّ تخيير الطفل بين الانضمام إلى أُمه أو أبيه في هذه السن لا يتنافى مع نص القانون على أنّ سِنّ البلوغ ١٨ سنة؛ لأنّ هذه السن قد اعتبرها القانون شرطاً للزواج، لا للتخيير في الانضمام.

(٢) مال صاحب المسالك إلى عدم الأجرة على الحضانة، ومال صاحب الجواهر إلى ثبوتها، وحيث لم يرد نص في الشرع على الوجوب، ولم تجرِ عادة العرف على الأجرة يكون الحق - والحال هذه - في جانب صاحب المسالك.
٣٨٠

كانت معتدة من طلاق بائن، أو فسخ تستحق فيه النفقة من أبي الطفل. وأجرة الحضانة تجب في مال الولد إن كان له مال، وإلاّ فعلى مَن تجب نفقته عليه. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

السفر بالطفل:

إذا أخذت الأُم الطفل بالحاضنة، وأراد الأب السفر بولده ليستوطن به في بلد آخر، قال الإمامية والحنفية: ليس له ذلك.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: بل له ذلك.

أمّا إذا كانت الأُم هي التي تريد السفر بالطفل، فقال الحنفية: لها أن تسافر به بشرطين: أن تنتقل إلى بلدها، وأن يكون العقد وقع ببلدها الذي تنتقل إليه، فإن فات أحد الشرطين مُنعت إلاّ إلى موضع قريب يمكن المضي إليه والعودة قبل الليل.

وقال الشافعية والمالكية وأحمد في إحدى الروايتين عنه: الأب أحق بولده سواء أكان هو المنتقِل أو هي. (رحمة الأُمة في اختلاف الأئمة).

وقال الإمامية: ليس للأُم المطلّقة أن تسافر بالولد الذي تحضنه إلى بلد بعيد بغير رضا أبيه، وليس للأب أن يسافر بالولد إلى غير بلد الأُم حال حضانتها له.

التبرع بالرضاع والحضانة:

الفرق بين الحضانة والرضاع أنّ الحضانة عبارة عن تربية الطفل ورعايته، والرضاع إطعامه وتغذيته، ومن هنا جاز أن تسقط الأُم حقها بالرضاع ويبقى حقها بالحضانة، فقد اتفق الإمامية والحنفية على أنّه لو تبرعت امرأة بإرضاع الطفل مجاناً، وأبت الأُم إلاّ الأجرة على الرضاع، تُقدّم
٣٨١

المتبرعة على الأُم، ويسقط حقها في الإرضاع، أمّا حقها في الحضانة فيبقى على ما هو، ويكون الطفل في رعايتها، تأتي إليه المرضعة أو يُحمَل هو إليها.

وإذا تبرعت امرأة بالحضانة فلا ينتزع الطفل من الأُم عند الإمامية، وغيرهم ممّن لم يوجبوا للحاضنة أجرة على الحضانة، حيث لا موضوع للتبرع ما دامت الحاضنة لا تستحق الأجرة.

أمّا الحنفية الذين أوجبوا الأجرة على الحضانة فإنّهم قالوا: إذا أبت الأُم أن تحضن إلاّ بأجرة، ووجِدت متبرعة بالحضانة فالأُم أولى إذا كانت الأجرة على الأب، أو كانت المتبرعة من الأجنبيات وليس من قرابة الطفل الحاضنات، أمّا إذا كانت المتبرعة من الأرحام الحاضنات، وكانت الأجرة على الأب المعسر، أو كانت الأجرة من مال الطفل فالمتبرعة أولى؛ لأنّ الأجرة في هذه الحال تكون على الطفل، والمتبرعة توفّر عليه، فتُقدّم على الأُم من أجل مصلحة الطفل. (الأحوال الشخصية أبو زهرة).

التنازل عن الحضانة:

هل الحضانة حق خاص للحاضنة يسقط بالإسقاط بحيث يجوز لها التنازل عنه، كما تتنازل عن حق الشفعة - مثلاً -، أو هي حق للطفل تُلزَم به الحاضنة، وليس لها إسقاطه، كما لا يمكنها أن تتنازل عن حق الأُمومة؟

قال الإمامية والشافعية والحنابلة: إنّه حق لها تتنازل عنه متى تشاء، ولا تُجبَر عليه إذا امتنعت، وفيه رواية عن مالك، واستدل على ذلك صاحب الجواهر بأنّ العلماء لم يجمعوا على إلزام الحاضنة بالحضانة، والشرع لم ينص على ذلك، بل يدلّ ظاهر النصوص على أنّ الحضانة كالرضاع؛ وعليه فلها إسقاطها متى تشاء.
٣٨٢

ويترتب على ذلك أنّ الأُم لو خالعت زوجها على أن تترك له حق الحضانة، أو يترك لها هو حق انضمام الطفل إليه بعد انتهاء مدة حضانتها يصحّ الخلع، وليس لأحدهما العدول بعد تمامه إلاّ مع رضا الطرفين، وكذلك لو تصالحها على ترك حقها في الحضانة أو ترك حقه في الانضمام، فإنّ المصالحة - والحال هذه - تكون لازمة يجب الوفاء بها.

ونقل ابن عابدين الخلاف بين الحنفية في ذلك، وأشار إلى أنّ الأولى أن تكون الحضانة حقاً للولد، وعليه فلا يحق للأُم إسقاطها ولا المصالحة عليها، ولا جعلها عوضاً عن الخلع.

والمحاكم الشرعية السنّية في لبنان تحكم بصحة الخلع، وفساد الشرط إذا خالعت الزوجة زوجها على ترك حضانة ولدها، وتحكم ببطلان المصالحة من الأساس لو صالحته على أن تترك حقها في الحضانة، أمّا المحاكم الشرعية الجعفرية فتحكم بصحة الخلع والشرط والمصالحة.
Next
This is the most recent post.
Older Post

0 comments:

Post a Comment

Highlights

Copyright © FIQH: Comparative Islamic Law All Right Reserved