Breaking News
Loading...

الطَّلاق, المطلِّق, المطلَّقة, الصيغة

المطلِّق

يُشترط في المطلِّق شروط:

١ - البلوغ، فلا يصحّ طلاق الصبي وإن كان مميِّزاً بالاتفاق، ما عدا الحنابلة فإنّهم قالوا: يقع طلاق المميِّز وإن كان دون عشر سنين.

٢ - العقل، فلا يصحّ طلاق المجنون مطبقاً كان أو دورياً حال جنونه، ولا المغمى عليه، ولا الذي غاب عقله بسبب الحمّى فصار يهذي، واختلفوا في السكران، فقال الإمامية: لا يصحّ طلاقه بحال. وقال الأربعة(١) : يصحّ إذا تناول المسكر المحرَّم باختياره، أمّا مَن شرب مباحاً فعاب عقله، أو أُكره على الشرب فلا يقع طلاقه.

ويصحّ طلاق الغضبان مع تحقق قصد الطلاق، وإذا خرج عن شعوره وإدراكه بالمرة يكون حكمه حكم المجنون.

٣ - الاختيار، فلا يقع طلاق المكرَه بالاتفاق؛ لحديث (رُفع عن

____________________

(١) صرّح الحنفية والمالكية بصحة طلاق السكران. وعن الشافعي وأحمد قولان أرجحهما أنّه يقع.

أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ما عدا الحنفية فانّهم قالوا: يقع طلاق المكرَه.

والعمل في محاكم مصر على عدم الأخذ بطلاق المكرَه والسكران.

٤ - القصد، فلو نطق بالطلاق سهواً أو غلطاً أو هزلاً فلا يقع الطلاق عند الإمامية.

وقال أبو زهرة في ص ٢٨٣: (يقع في المذهب الحنفي طلاق كل شخص ما عدا الصغير والمجنون والمعتوه، فيقع طلاق الهازل والسكران من محرَّم والمكرَه). وقال في ص ٢٨٦: (من المقرر في المذهب الحنفي أنّ طلاق المخطئ والناسي يقع). وفي ٢٨٤: (وقد وافق مالك والشافعي أبا حنفية وأصحابه بالنسبة للهازل، وخالفه أحمد، فلم يقع طلاقه عنده). وقال ابن رشد في بداية المجتهد ج٢ ص ٧٤: (قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يحتاج الطلاق إلى نية).

وروى الإمامية عن أهل البيت: (لا طلاق إلاّ لمن أراد الطلاق)،(لا طلاق إلاّ بنية) . وقال صاحب الجواهر: لو أوقع الطلاق، وبعد النطق بالصيغة قال: لم أقصد الطلاق، يُقبل منه ما دامت المرأة في العدة؛ لأنّه إخبار عن نيته التي لا تُعلَم إلاّ من قِبله.

طلاق الولي:

قال الإمامية والحنفية والشافعية: ليس للأب أن يطلّق عن ابنه الصغير؛ لحديث: (الطلاق لمن أخذ بالساق). وقال المالكية: للأب أن يخالع زوجة ولده الصغير. وعن أحمد روايتان.

وقال الإمامية: إذا بلغ الصبي فاسد العقل فلأبيه أو جده من جهة الأب أن يطلّق عنه مع وجود المصلحة، فإن لم يكن أب وجد لأب طلّق عنه الحاكم، وقدّمنا أنّ الإمامية يجيزون لزوجة المجنون أن تفسخ الزواج.

وقال الحنفية: إذا تضررت زوجة المجنون من معاشرته، رفعت أمرها إلى القاضي وطلبت منه الفراق، وللقاضي أن يطلّق لدفع الضرر عن الزوجة، وليس لأب الزوج أيّة سلطة.

واتفق الجميع على أنّ السفيه يصحّ طلاقه وخلعه(١) .

المطلَّقة:

يُشترط في المطلَّقة أن تكون زوجة باتفاق الجميع. واشترط الإمامية خاصة لصحة طلاق المدخول بها غير الآيسة والحامل أن تكون في طهر لم يواقعها فيه، فلو طُلّقت وهي في الحيض أو في النفاس أو في طهر المواقعة فسد الطلاق.

قال الرازي في تفسير الآية ١ من سورة الطلاق( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) ، قال ما نصه بالحرف: (أي لزمان عدتهن، وهو الطهر بإجماع الأُمة، وقال جماعة من المفسرين: الطلاق للعدة أن يطلّقها طاهرة من غير جماع، وبالجملة فالطلاق حال الطهر لازم، وإلاّ لا يكون سنّياً، والطلاق في السنّة إنّما يُتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل). إذ لا سنّة في الصغيرة، وغير المدخول بها والآيسة والحامل.

وهذا عين ما تقوله الإمامية.

____________________

(١) قال الأستاذ الخفيف في كتاب فرق الزواج ص٥٧: (يرى الإمامية جواز طلاق السفيه بإذن وليه كما نُص على ذلك في شرح شرائع الإسلام). ولا وجود لهذا النص في الكتاب المذكور عن الجواهر؛ لأنّ صاحب الكتاب ينقل عنه في غير مكان، بل لا وجود لهذا النص في جميع كتب الإمامية، والموجود في شرح شرائع الإسلام أنّ له أن يطلّق بدون إذن الولي. راجع الجواهر ج٤ باب الحجر.

وفي كتاب المغني ج٧ ص٩٨ الطبعة الثالثة: (معنى طلاق السنّة: الطلاق الذي وافق أمر الله تعالى، وأمر رسوله (ص)، وهو الطلاق في طهر لم يصبها فيه). وفي ص٩٩ من الكتاب المذكور: (إنّ طلاق البدعة هو أن يطلّقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه، ولكن إذا فعل أثم، ووقع في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف ذلك إلاّ أهل البدع والضلالة)!!! وإذا كان اتّباع كتاب الله وسنّة نبيه بدعة وضلالة فينبغي أن يكون اتّباع الشيطان سنّة وهداية!!!

ومهما يكن، فإنّ السنّة والشيعة قد اتفقوا على أنّ الإسلام قد نهى عن طلاق الزوجة البالغة المدخول بها غير الحامل إذا كانت غير طاهر، أو في طهر واقعها فيه، ولكنّ السنّة قالوا: إنّ النهي للتحريم لا للفساد، وإنّ مَن أوقع الطلاق بدون تحقق الشروط يأثم ويعاقب، ولكن يصحّ طلاقه. وقال الشيعة: إنّ النهي للفساد لا للتحريم؛ لأنّ مجرد التلفظ بالطلاق غير محرّم، وإنّما القصد وقوع الطلاق لغواً كأنّه لم يكن، تماماً كالنهي عن بيع الخمر والخنزير، فإنّ التلفظ بالبيع لا يحرم، بل لا يتحقق النقل والانتقال.

ثمّ إنّ الإمامية أجازوا طلاق خمس من الزوجات في الحيض أو في غيره:

١ - الصغيرة التي لم تبلغ التاسعة.

٢ - التي لم يدخل بها الزوج ثيباً كانت أو بكراً، حصلت الخلوة بها أو لم تحصل.

٣ - الآيسة، وهي البالغة سن الخمسين إن كانت غير قرشية والستين إن تكنها.

٤ - الحامل.

٥ - التي غاب عنها زوجها شهراً كاملاً، على أن يقع الطلاق

حال غيابه عنها بحيث يتعذر عليه معرفة حالها: هل هي في حيض أو في طهر؟ والمحبوس كالغائب.

وقال الإمامية: إنّ الزوجة التي في سن مَن تحيض، ولا ترى الدم خلقة، أو لمرض، أو نفاس لا يصحّ طلاقها إلاّ بعد أن يمسك عنها الزوج ثلاثة أشهر، وتُسمّى هذه بالمسترابة.

الصيغة:

قال الإمامية: لا يقع الطلاق إلاّ بصيغة خاصة، وهي: أنتِ طالق، أو فلانة طالق، أو هي طالق، فلو قال: الطالق أو المطلّقة أو طُلّقت أو الطلاق أو من المطلّقات، وما إلى ذلك لم يكن شيئاً، حتى ولو نوى الطلاق؛ لأنّ هيئة (طالق) لم تتحقق، وإن تحققت المادة. ويُشترط أن تكون الصيغة فصيحة غير ملحونة ولا مصحّفة، وأن تكون مجردة عن كل قيد حتى ولو كان معلوم التحقق، مثل: إذا طلعت الشمس ونحو ذلك.

ولو خيّر زوجته، وقصد تفويض الطلاق إليها، فاختارت نفسها بقصد الطلاق لا يقع عند المحققين من الإمامية , وكذلك لا يقع لو قيل له: هل طلّقت زوجتك؟ فقال: (نعم) قاصداً إنشاء الطلاق. ولو قال: أنتِ طالق ثلاثاً، أو أنتِ طالق أنتِ طالق أنتِ طالق تقع طلقة واحدة مع تحقق الشروط. ولا يقع الطلاق بالكتابة ولا بالإشارة إلاّ من الأخرس العاجز عن النطق. ولا يقع بغير العربية مع القدرة على التلفظ بها، والأولى للأعجمي والأخرس أن يوكلا بالطلاق عنهما إن أمكن. وكذلك لا يقع الطلاق عند الإمامية بالحلف واليمين، ولا بالنذر والعهد، ولا بشيء إلاّ بلفظ (طالق) مع تحقق الشروط والقيود.

قال صاحب الجواهر نقلاً عن الكافي: (ليس الطلاق إلاّ كما روى

بكير بن أعين، وهو أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: (انتِ طالق)، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوى ذلك فهو ملغى). ثمّ نقل صاحب الجواهر عن الانتصار إجماع الإمامية على ذلك.

وبالتالي، فإنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلَّقة، وصيغة الطلاق وشهوده، كل ذلك لأنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة، وميثاق من الله، قال تعالى في الآية (٢٠) من سورة النساء:( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ) . وفي الآية (٢١) من سورة الروم:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) . وفي الآية (١٠) من سورة الممتحنة:( وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) .

إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة وهذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكل شك بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.

ولكنّ المذاهب الأخرى قد أجازت الطلاق بكل ما دلّ عليه لفظاً وكتابة وصراحة وكناية، مثل: أنتِ عليَّ حرام، وأنتِ بتلة وبرية، واذهبي فتزوجي، وحبلك على غاربك، وألحقي بأهلك، وما إلى ذلك. كما أجازت أن يكون الطلاق مطلقاً ومقيداً، مثل: إن خرجت من الدار فأنتِ طالق، وإن كلّمك أبوك فأنتِ طالق، وإن فعلتُ أنا كذا فأنتِ طالق، وكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فيقع الطلاق بمجرد حصول العقد عليها، وما إلى ذلك ممّا لا يتسع له المقام. وقد أجازت المذاهب أيضاً الطلاق بتفويضه إلى المرأة وإلى غيرها، كما أجازت وقوع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد. وقد سوّد فقهاء المذاهب الصفحات الطوال العراض التي لا طائل تحتها إلاّ هدم كيان الأسرة، ووضعها في كف عفريت(١) .

وقد أحسنت الحكومة المصرية بأخذها في كثير من شؤون الطلاق بالمذهب الإمامي. هذا، وإنّ المذاهب الأربعة لم تشترط الإشهاد لصحة الطلاق بخلاف الإمامية، حيث اعتبروه ركناً من أركانه، ونحن ندع الكلام فيه إلى الشيخ (أبو زهرة).
 

0 comments:

Post a Comment

Highlights

Copyright © FIQH: Comparative Islamic Law All Right Reserved