Breaking News
Loading...

مقدار الوصية... الوصاية... تصرفات المريض

مقدار الوصية

تنفذ الوصية التبرعية في مقدار الثلث فقط مع وجود الوارث، سواء أَصَدرت في المرض أو الصحة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة بالاتفاق. فإن أجازوا جميعاً جازت الوصية، وإن رفضوا بطلت، وإن أجاز البعض دون البعض نفذت في حق المجيز فيما زاد عن الثلث، ولا أثر لإجازة الوارث إلاّ إذا كانت من العاقل البالغ الراشد.

وقال الإمامية: إذا أجاز الورثة فلا يحق لهم العدول عن إجازتهم، سواء أكانت الإجازة في حياة الموصي أو بعد وفاته.

وقال الحنفية والشافعية والحنابلة:

لا يُعتبر الرد والإجازة إلاّ بعد موت الموصي، فلو أجازوا في حياته، ثمّ بدا لهم فردوا بعد وفاته كان لهم ذلك، سواء أكانت الإجازة في صحة الموصي أو في مرضه. (المغني).

وقال المالكية: إذا أجازوا في مرض الموصي فلهم الرد، وإذا أجازوا في صحته نفذ في حقهم، ولا يحق لهم الرد.

وقال الإمامية والحنفية والمالكية: متى حصلت الإجازة من الوارث لما زاد عن الثلث كان ذلك إمضاء لفعل الموصي وتنفيذاً له، وليس هبة من الوارث إلى الموصى له، وعليه فلا يفتقر إلى القبض، ولا تجري على الوصية أحكام الهبة.

واختلفوا فيمن أوصى بجميع أمواله وليس له وارث خاص، قال مالك: لا تجوز الوصية إلاّ في الثلث، وقال أبو حنيفة: تجوز في الجميع، وللشافعي وأحمد قولان، وللإمامية أيضاً قولان أصحّهما الجواز. (البداية والنهاية، وتذكرة الحلّي باب الوصية).

واتفقوا على أنّه لا ميراث ولا وصية إلاّ بعد وفاء الدين، أو البراءة منه، فالثلث الذي تنفذ فيه الوصايا إنّما هو الثلث الفاضل عن الدين، واختلفوا في الوقت الذي يقدّر فيه الثلث: هل هو الثلث عند الوفاة، أو عند قسمة التركة؟

قال الحنفية: يقدّر الثلث عند قسمة التركة، فكل زيادة أو نقص يعرض على التركة يشمل الورثة والموصى لهم، وقد وافق على ذلك بعض الحنابلة وبعض المالكية.

وقال الشافعية: يُعتبر الثلث وقت الوفاة. (أبو زهرة).

وقال الإمامية: يُحسب من التركة ما يملكه بعد الموت، كالدية في قتل الخطأ، وفي قتل العمد إذا صالح الأولياء على الدية، وكما إذا كان الميت قد نصب شبكة في حياته فوقع فيها طير أو سمك بعد وفاته، فكل ذلك يُضم إلى أصل التركة، ويخرج منه الثلث. وقولهم هذا قريب من قول الحنفية.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة: إذا كان على الميت زكاة أو كفارة واجبة أو حجة إسلام، وما إلى ذلك من الواجبات المالية تنفذ من أصل المال لا من الثلث، سواء أوصى بها أو لم يوصِ؛ لأنّها حق الله، وحق الله أحق أن يُقضى، كما جاء في الحديث، وإذا أوصى بها الميت، وعيّن مخرجها من الثلث يؤخذ بقوله رفقاً بالوارث.

وقال الحنفية والمالكية: إن أوصى بها تخرج من الثلث لا من الأصل، وإن لم يوصِ بها تسقط بموته. (المغني، وتذكرة الحلّي، والبداية والنهاية).

واتفقوا على أنّ الوصية بالعبادة المستحبة تخرج من الثلث.

تزاحم الوصايا:

إذا تزاحمت الوصايا وضاق الثلث عن جميعها، كما لو أوصى لزيد بألف، وللفقراء بألفين، ولمسجد بثلاثة، وكان الثلث خمسة، ولم يُجز الوراثة الزائد، فما هو الحكم؟

قال المالكية والحنابلة والشافعية: يُقسّم الثلث بينهم على قدر وصاياهم، أي أنّ النقص يدخل على كل بنسبة وصيته. (المغني).

وقال الإمامية: إذا أوصى بوصايا عديدة لا يسعها الثلث، ولم يُجز الورثة الزائد، فإن كان بينها تضاد - كما لو قال: ثلثي لزيد، ثمّ قال: ثلثي لخالد - عُمل باللاحق دون السابق، إلاّ فإن كان بينها واجب وغير واجب قدّم الواجب على غيره، وإذا تساوت الوصايا في الأهمية فإن جمع الموصي بينها بكلام واحد فقال: إعطوا جَمالاً وأحمد ألفاً، وكان الثلث ٥٠٠، قُسّم هذا المبلغ بين الاثنين لكل واحد ٢٥٠، وإن قدّم وأخّر فقال: إعطوا جَمالاً ٥٠٠ وأحمد ٥٠٠، أُعطي المبلغ للأوّل وأُلغيت الوصية الثانية، لأنّ الأُولى استغرقت الثلث بكامله ولم يبقَ للثانية موضوع.

وقال الأربعة: إذا أوصى بشيء معيّن لإنسان، ثمّ أوصى به لآخر فهي بينهما مناصفة، فإذا قال: إعطوا السيارة لزيد بعد موتي، ثمّ قال: إعطوها لخالد، كانت شراكة بين الاثنين.

وقال الإمامية: بل هي للثاني؛ لأنّ الوصية الثانية عدول عن الأُولى.

وقال الإمامية: إذا أوصى لكل وارث بعين خاصة بقدر نصيبه
تصحّ الوصية، مثلاً إذا قال: البستان لولدي إبراهيم، والدار لأخيه حسن، ولم يكن في ذلك محاباة تنفذ الوصية، لعدم المزاحمة لحق أحد من الوراث، ووافقهم على ذلك بعض الشافعية وبعض الحنابلة.

واتفقوا جميعاً على أنّ الشيء الموصى به إذا كان سهماً مشاعاً كالثلث أو الربع من مجموع التركة، أو من شيء خاص فيملكه الموصى له بوفاة الموصي، غائباً كان الموصى به أو حاضراً، فهو شريك للورثة في الحاضر يأخذ نصيبه منه، وكذلك متى حضر الغائب.

وإذا كان الموصى به متميزاً مستقلاً بعين معينة قال الإمامية والحنفية: لا يملك الموصى له هذه العين إلاّ إذا كان ضعف قيمتها في يد الورثة، أمّا إذا كان للموصي مال غائب أو ديون، وكان الشيء الموصى به أكثر من ثلث ما في أيدي الورثة كان لهم الحق في معارضة الموصى له، ومنعه عمّا زاد عن ثلث مجموع الموجود في أيديهم، بخاصة إذا كان الغائب في معرض الضياع أو يتعذر استيفاؤه، وإذا حضر شيء من الغائب استحق الموصى له من باقي العين الموصى بها ما يساوي ثلث المال الذي حضر، فإن لم يحضر شيء كان باقي العين للورثة.

الرجوع عن الوصية:

اتفقوا على أنّ الوصية ليست لازمة من طرف الموصي، ولا من طرف الموصى له، فللأوّل الرجوع عن وصيته سواء أكانت بعين أو بمنفعة أو بولاية، ويأتي الكلام عن الثاني، ويتحقق رجوع الموصي بالقول وبالفعل مثل أن يوصي بطعام فيأكله، أو يهبه أو يبيعه. ونُقل عن الحنفية أنّ البيع لا يُعد رجوعاً، وإنّما يكون للموصى له ثمن المبيع.

الوصية بالمنفعة:

اتفقوا على صحة الوصية بالمنافع، كإجارة الدار، وسكناها، وثمرة البستان، ولبن الشاة، وما إلى ذلك من المنافع التي ستحدث، سواء أَحَصر المنفعة في مدة معينة أو أطلقها في كل زمان.

واختلفوا في كيفية خروج المنفعة من الثلث، قال الحنفية: إنّ الوصية بالمنفعة تقدّر بنفس العين الموصى بها، سواء أكانت المدة مؤقتة أو مؤبدة، فإذا أوصى بسكنى الدار سنة أو أكثر قوّمت الدار بكاملها، فإن وفّى ثمنها بمقدار الثلث نفذت الوصية، وإلاّ فلا تنفذ وتكون لغواً.

وقال الشافعية والحنابلة: تقدّر قيمة المنافع مجردة عن العين، فإن اتسع لها الثلث نفذت الوصية بكاملها، وإلاّ فبقدر ما يتسع له الثلث. (أبو زهرة).

وقال المحققون من الإمامية: إذا كانت المنفعة الموصى بها غير مؤبدة فأمرها سهل؛ لأنّ العين تبقى لها قيمة بعد إخراج تلك المنفعة، فإذا أوصى بمنفعة خمس سنوات قُوّم البستان بمجموعه أوّلاً، فإذا كانت قيمته عشرة آلاف قُوّم ثانيةً مسلوب المنفعة خمس سنوات، فإذا كانت خمسة آلاف يكون التفاوت خمسة آلاف تخرج من الثلث إن تحمّلها، وإلاّ كان للموصى له ما يتحمله الثلث سنة أو أكثر، أمّا إذا كانت المنفعة مؤبدة قُوّم البستان بكامله مع المنفعة، وجرت الحال كما في المنفعة المؤقتة.

إن قلتَ: كيف؟ وبأيّ شيء نُقوّم العين مسلوبة المنفعة، فإنّ ما لا منفعة منه لا قيمة له؟

قلتُ: بل هناك منافع لها قيمة وإن تكن يسيرة، فالبستان يُنتفع
بما ينكسر من جذوعه، وبما يصيبه من اليبس، وإذا زال الشجر لسبب من الأسباب يُنتفع بأرضه، وإذا خربت الدار ولم يعمّرها الموصى له ينتفع الوارث بأحجارها وأرضها، والشاة ينتفع بلحمها وجلدها إذا ذُبحت، وعلى أيّة حال فلا تخلو العين من فائدة غير المنفعة الموصى بها.

تصرفات المريض

المريض:

المراد بالمريض - هنا - مَن اتصل مرضه بموته، على أن يكون المرض مخوفاً، بحيث يظنّ الناس أنّ حياته في خطر، فوجع الضرس والعين والصداع الخفيف وما إليه لا يُعد من المرض المخوف، فهذا المريض ومَن تمرّض مرضاً مخوفاً، ثمّ عوفي منه، ومات بعد ذلك حكم عطيتهما حكم عطايا الصحيح.

تصرفات الصحيح:

ليس من شك ولا خلاف بين المذاهب أنّ الصحيح إذا تصرّف في أمواله تصرفاً مطلقاً ومنجزاً - أي غير معلق على الموت - نفذ تصرفه من الأصل، سواء أكان تصرفاً واجباً كوفاء الدين، أو محاباة كالهبة والوقف.

وإذا علق الصحيح تصرفاته على الموت كانت وصية كما تقدم، فإن
لم تكن بالواجب المالي خرجت من الثلث، وإن كانت به فإن كانت قضاء دين فمن الأصل عند الإمامية والشافعية والحنابلة، ومن الثلث عند الحنفية والمالكية، كما مَر.

تصرفات المريض:

أمّا تصرفات المريض، فإن كانت معلقة على الموت فهي وصية، وحكمها ما أسلفنا في وصية الصحيح، إذ لا فرق في الوصية بين صدروها في حالة الصحة وحالة المرض، ما دام المريض ثابت العقل، كامل الإدراك والشعور.

وإذا تصرّف المريض تصرفاً مطلقاً غير معلق على الموت يُنظر، فإن عاد التصرف إلى نفسه كما لو اشترى ثياباً مثمنة، وتلذذ في مأكله ومشربه، وأنفق على دوائه وتحسين صحته، وسافر للراحة والاستجمام، وما إلى ذاك فكل تصرفاته صحيحة ليس لأحد عليه من سبيل وارثاً كان أو غير وارث.

وإن تصرّف بدون محاباة - كما لو باع أو أجّر، أو استبدل شيئاً من ممتلكاته بعوضه الحقيقي - ينفذ عمله من أصل المال، وليس للوارث معارضته؛ لأنّه لم يفوّت عليه شيئاً.

واذا تصرّف تصرفاً منجّزاً غير معلق على الموت وكان فيه محاباة، كما لو وهب أو تصدّق أو أبرأ من الدين، أو عفا عن الجناية الموجبة للمال، أو باع بأقل من قيمة المثل، أو اشترى بالأكثر، أو غير ذلك من التصرفات التي تستدعي ضرراً مالياً بالوارث - إذا كان تصرفه من هذا النوع - فإنّه يخرج من الثلث(١) . ومعنى كونه من الثلث أن نوقف التنفيذ إلى ما بعد الموت، فإن مات في مرضه واتسع الثلث للتبرعات المنجزة كُشف عن كونها نافذة من أوّل الأمر، وإن ضاق الثلث عنها كُشف عن فساد التصرف بمقدار الزائد عن الثلث، مع عدم إجازة الورثة.

بين الوصية ومنجّزات المريض:

الفرق بين الوصية ومنجّزات المريض: إنّ التصرف في الوصية معلق على الموت، أمّا المنجّزات فهي التي لم تعلق على الموت، سواء لم تعلق أبداً، أو علّقت على أمر آخر يصحّ فيه التعليق، كما لو نذر في مرضه أن يضحي بهذا الكبش إذا رُزق ذكراً، ثمّ ولِد له ذكر بعد موته، فيدخل في منجّزات المريض. وقد جاء في كتاب المغني في فقه الحنابلة، وكتاب التذكرة في فقه الإمامية أنّ منجّزات المريض تشترك مع الوصية في خمسة أشياء، وتفترق عنها في ستة. ويظهر من الاتفاق في لفظ العبارتين أنّ العلاّمة الحلّي صاحب التذكرة الذي توفي سنة ٧٢٦ﻫ قد

____________________

(١) أمّا الأربعة فقد اتفقوا على خروجها من الثلث، واختلف الإمامية فيما بينهم، فأكثر فقهائهم المتقدمين: على النفوذ من الأصل، وأكثر المتأخرين: على النفوذ من الثلث، ومن أنصار الثلث العلاّمة الحلّي والشهيدان وصاحب الجواهر، وصاحب الشرائع؛ لخبر أبي بصير عن الإمام الصادق: (للرجل عند موته ثلث ماله)، ولصحيح ابن يقطين:(للرجل عند موته الثلث والثلث كثير) ، ولم تفرق الأخبار بين الوصية والمنجّزات. وفي خبر علي بن عقبة في رجل أعتق مملوكاً له،(لا يعتق منه إلاّ الثلث) ، ولو قال الإمام بعد موته لا عند موته لكان حمل قوله على الوصية في محله.

أخذ عن ابن قدامة صاحب المغني المتوفى سنة ٦٢٠ﻫ(١) . ومن المفيد أن نلخص أقوالهما فيما يلي:

أمّا الخمسة التي تشترك بها المنجّزات مع الوصية فهي:

١ - إنّ كلاً منهما يقف نفوذها على الخروج من الثلث، أو إجازة الورثة.

٢ - إنّ المنجّزات تصحّ للوارث عند الإمامية، تماماً كالوصية، وعند الأربعة لا تصحّ للوارث، كما أنّ الوصية كذلك.

٣ - إنّ كلاً منهما أقلّ ثواباً عند الله من الصدقة في حال الصحة.

٤ - إنّ المنجّزات يزاحم بها الوصايا في الثلث.

٥ - إنّ خروجها من الثلث معتبر حال الموت لا قبله ولا بعده. وأمّا الستة التي تفترق بها المنجّزات عن الوصية فهي:

١ - إنّ الموصي يجوز له الرجوع عن وصيته، ولا يجوز الرجوع للمعطي في المرض من عطيته إذا تحقق القبول والقبض من المعطى له، والسر أنّ الوصية تبرّع مشروط بالموت، فما دام الشرط لم يتحقق فإنّه يجوز العدول، أمّا العطية في المرض فهي مطلقة وغير مشروطة بشيء.

٢ - إنّ المنجّزات يكون قبولها أو ردها على الفور وفي حياة

____________________

(١) كثيراً ما ينقل العلاّمة عبارات المغني بالحرف، ويعتمد عليه في معرفة أقوال المذاهب، وقد تبين لي من الاستقراء والتتبع أنّ التعاون العلمي بين السنّة والشيعة فيما مضى كان أقوى بكثير ممّا عليه الآن، فالعلاّمة الحلّي ينقل في التذكرة أقوال المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم من مذاهب السنّة، وزين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني كان يدرس الفقه على المذاهب الخمسة في بعلبك ٩٥٣، وقد درس في دمشق والأزهر، وكذا الشيخ علي بن عبد العال المعروف بالمحقق الثاني (ت ٩٤٠ﻫ) درس في الشام والأزهر. وإن دل هذا على شيء فإنّما يدلّ على تجرد علماء الإمامية، وطلبهم العلم للعلم، وعلى عملهم بالحديث الشريف: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها)، كما يدلّ في الوقت نفسه على وحدة أصول الفقه ومصادره عند جميع المذاهب.

المعطي، أمّا الوصية فلا حكم لقبولها ولا لردها إلاّ بعد الموت.

٣ - إنّ المنجّزات تفتقر إلى شروط، كالعلم بحقيقة العطية وعدم الضرر، والوصية لا يُشترط فيها ذلك.

٤ - إنّ المنجّزات تُقدّم على الوصية إذا ضاق الثلث عنهما معاً، إلاّ في العتق فإنّ الوصية به تُقدّم على غيره من العطايا المنجّزة، وهو رأي الإمامية والحنفية والشافعية. (التذكرة باب الوصية).

٥ - إنّ المنجّزات إذا ضاق عنها الثلث بُدئ بالأوّل فالأوّل عند الشافعية والحنابلة، أمّا الوصية إذا ضاق عنها الثلث فيدخل النقص على الجميع، كما أشرنا في تزاحم الوصايا. والإمامية يبدؤون بالأوّل فالأوّل في المنجّزات والوصايا.

٦ - إنّ المريض إذا مات قبل أن يُقبض المعطى له العطية كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا أعطوا وإن شاؤوا منعوا، أمّا الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم.

ذكر هذا الأمر السادس صاحب المغني، ولم يذكره صاحب التذكرة، والأولى تركه، كما فعل العلاّمة الحلّي؛ لأنّ منجّزات المريض تشتمل على موضوعات شتى، منها الهبة، ومنها الإبراء من الدين، ومنها المحاباة في البيع أو الشراء، إلى غير ذلك. وإذا لم تنحصر المنجّزات في الهبة فلا يأتي القول (بأنّ المريض إذا مات قبل أن يُقبض المعطى له) هذا أوّلاً، وثانياً: إنّ المريض إذا وهب ومات قبل أن يُقبض الموهوب له تبطل الهبة عند الحنابلة والشافعية والإمامية والحنفية؛ لأنّ القبض شرط في اتمامها، وإن قبض الموهوب له قبل الموت تمت الهبة، وحُسبت من الثلث كالوصية، ولا يتوقف نفوذها على إجازة الورثة ما دامت لا تتجاوز الثلث، فهي قبل القبض وبعد الموت ليست من المنجّزات أصلاً، حتى يقال بأنّها تفترق عن الوصية وتجتمع معها، وبعد القبض
يكون حكمها حكم الوصية. وبذا يتبين أنّ ذكر الأمر السادس في غير محله.

إقرار المريض:

اتفق الأربعة على أنّ المريض إذا أقر بدين لغير الوارث نفذ الإقرار من الأصل تماماً كالإقرار في الصحة، واختلوا إذا أقر للوارث، فقال الحنفية والحنابلة: لا يلزم باقي الورثة بهذا الإقرار، بل يكون الإقرار لغواً إلاّ إذا أقام الوارث بينة شرعية تُثبت الدين.

وقال المالكية: يصحّ الإقرار إذا لم يُتّهم الميت بالمحاباة، ويبطل إذا اتُّهم، كمن له بنت وابن عم فأقر لابنته لم يُقبل، وإن أقر لابن عمه قُبِل؛ لأنّه لا يُتّهم في أنّه يحرم ابنته ويفضّلها على ابن عمه. وعلة منع الإقرار التهمة، فاختص المنع بموضوعها. (المغني ج٥ باب الإقرار).

وقال الإمامية: إذا أقر - وهو في مرض الموت - لوارث أو لأجنبي بدين أو عين، يُنظر، فإن كان هناك قرائن يُظنّ معها أنّه غير صادق في إقراره، بل متّهم فيه، حيث يُستبعد في العادة أن يكون الشيء المقرّ به حقاً ثابتاً للشخص المقر له، ولكن لمريض يريد أن يؤثره على بره لسبب من الأسباب - إن كان الأمر على هذا - فحكم الإقرار حكم الوصية ينفذ من الثلث، وأن كان المريض مأموناً في إقراره بحيث لم يكن هناك أيّة قرينة تدلّ على أنّه كاذب في قوله - كما لو كان بينه وبين المقر له معاملة سابقة تستدعي ذلك بموجب العادة - ينفذ الإقرار من الأصل بالغاً ما بلغ.

هذا إذا عُلِم حال المقر، أمّا إذا جهل: هل هو مُتّهم أو مأمون؟ وقال الوارث: إنّ مورثه غير أمين بإقراره. فعلى المقَرِّ له بالمال أن يُثبت أنّه يملك الشيء الذي أقر له به المريض، فإن أثبت ذلك بالبينة ينفذ الإقرار من الأصل، وإلاّ يحلف الوارث أنّه لا يعلم أنّ الشيء الذي أقر به المورث هو لفلان، ثمّ ينفذ الإقرار من الثلث. واستدل الإمامية بروايات عن أهل البيت مثل رواية أبي بصير:(إذا كان مصدقاً يجوز) وغيرها، و(إذا) تفيد الشرط، فيكون النفوذ مشروطاً بالأمانة والتصديق(١) .

____________________

(١) ملحق حاشية المكاسب للسيد كاظم اليزدي.

الوصاية

الوصاية: هي أن يعهد إنسان لآخر بتجهيز وصاياه بعد موته، كوفاء ديونه واستيفائها، ورعاية أطفاله والإنفاق عليهم، وما إلى ذاك، ويعبّر عنها بالولاية، وبالوصية العهدية، ويُسمّى الشخص المعهود إليه بالوصي المختار.

شروط الوصي:

١ - أن يكون مكلّفاً، أي عاقلاً بالغاً؛ لأنّ المجنون والصغير لا ولاية لهما على أنفسهما، فكيف يتوليان أمور الغير؟! سوى أنّ الإمامية قالوا: لا تصحّ وصاية الصبي منفرداً، وتصحّ منضماً إلى البالغ، فيتصرف الكبير منفرداً حتى يبلغ الصغير فيشاركه في التصرف.

وقال الحنفية: إذا أوصى إلى صغير استبدله القاضي بغيره، وإذا تصرّف الصغير قبل أن يعزله القاضي صح تصرفه وكان نافذاً، وكذا إذا بلغ قبل العزل، فإنّه يستمر في الوصاية. (الفقه على المذاهب الأربعة، وتذكرة الحلّي).
٤٨٣

٢ - تعيين الوصي بالذات، فإذا أوصى إلى أحد هذين ولم يعيّن، بطلت الوصية.

٣ - تعيين الموصى به،فإذا أطلق الوصية وقال: فلانٌ وصي، ولم يبين على أي شيء، بطلت الوصاية عند الإمامية والحنفية والشافعية والحنابلة. ونُقل عن مالك أنّه يكون وصياً في كل شيء.

٤ - أن يكون الوصي مسلماً، فلا تصحّ وصية المسلم إلى غير المسلم بالاتفاق، ولكنّ الحنفية قالوا: إذا أوصى إلى غير المسلم كان على القاضي أن يستبدله بمسلم، إلاّ أنّ الوصية تقع صحيحة، فلو تصرّف الوصي غير المسلم قبل أن يخرجه القاضي، أو أسلم، يبقى على الوصاية كما هي الحال في الصبي.

٥ - قال الشافعية: يجب أن يكون الوصي عادلاً.

وقال المالكية والحنفية والمحققون من الإمامية: تكفي الأمانة والوثاقة؛ لأنّ العدالة هنا وسيلة وليست بغاية، فإذا قام الوصي بالمهام كما يجب فقد حصل المطلوب(١) .

وقال الحنابلة: إذا كان الوصي خائناً جعل القاضي معه أميناً، ويتفق هذا مع ما جاء في الجزء الثاني من منهاج الصالحين للسيد الحكيم، حيث قال: (إذا ظهرت منه الخيانة ضمّ إليه أميناً يمنعه عن الخيانة، فإن لم يمكن ذلك عزله ونصّب غيره).

٦ - جاء في الجزء الثالث من الفقه على المذاهب الأربعة باب الوصية: إنّ الحنفية والمالكية والشافعية يشترطون في الوصي أن يكون قادراً على

____________________

(١) اختلف الإمامية فيما بينهم: هل العدالة شرط في الوصي؟ فالمشهور على شرط العدالة، والمحققون على الاكتفاء بالأمانة والوثاقة، وقول ثالث على عدم ظهور الفسق. والحق هو الوسط؛ لعموم الأدلة الشاملة للعادل وغيره، وخرج عن الأدلة غير الأمين، لأنّ تصرفاته لا تحقق غرض الموصي، وتضر بالقاصر.
القيام بما أوصي إليه به.

وقال العلاّمة الحلّي في التذكرة: الظاهر من مذهب علمائنا - أي الإمامية - جواز الوصية إلى مَن يعجز عن التصرف، وينجبر نقصه بنظر الحاكم، أي أنّ القاضي يشرف على تصرفاته بنفسه، أو يضمّ إليه أميناً قادراً.

رد الوصاية:

للموصي أن يرجع عن الوصاية، وللوصي أن يرفض ويرد مع إعلام الموصي بالرد؛ لأنّ الوصية العهدية في هذه الحال جائزة بالاتفاق. واختلفوا في جواز رد الوصاية من الوصي مع عدم إعلام الموصي، قال الإمامية والحنفية: لا يجوز للوصي أن يرد الوصية بعد الموت بحال من الأحوال، ولا أن يرد في حياة الموصي إلاّ مع إعلامه بالرد.

وقال الشافعية والحنابلة: للوصي أن يرد الإيصاء إليه ابتداء واستدامة دون قيد أو شرط، فيرد قبل قبول الوصية وبعدها، وفي حياة الموصي مع الإعلام وبدونه، وبعد موته أيضاً. (المغني ج٦ باب الوصية).

الوصية لاثنين:

واتفقوا على أنّ للميت أن يجعل الوصاية لاثنين أو أكثر، فإن نص على أنّ لكل منهما الاستقلال في التصرف، عمل بنصه، وكذا إذا نص على العمل مجتمعين فليس لأحدهما الانفراد عن الآخر. واختلفوا فيما إذا أطلق ولم يعيّن الاستقلال ولا الاجتماع، قال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة: ليس لأحدهما الانفراد بالتصرف في شيء، فان تشاحنا ولم يجتمعا أجبرهما القاضي على الاجتماع، فإن تعذّر استبدل بهما.

وقال الحنيفة: ينفرد كل واحد منهما بسبعة أشياء: كفن الميت، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة بعينها، وشراء ما لا بدّ منه من الكسوة والطعام للصغير، وقبول الهبة له، والخصومة عن الميت فيما يدّعى له أو عليه؛ لأنّ هذه يشقّ الاجتماع عليها، ويضرّ تأخيرها، فجاز الانفراد بها. (وسيلة النجاة للسيد أبي الحسن في فقه الإمامية، والمغني ج٦ باب الوصية).

وقال في الوسيلة: لو مات أحد الوصيين، أو طرأ عليه الجنون، أو غير ذلك ممّا يوجب ارتفاع وصايته استقلّ الآخر، ولا يحتاج إلى ضم شخص جديد.

وقال في المغني: بل على القاضي أن يضمّ إليه أميناً؛ لأنّ الموصي لم يرضَ بنظر الباقي منهما وحده، ولم يُذكر خلافاً في ذلك إلاّ عن أصحاب الشافعي.

وإن ماتا معاً أو تغيّر حالهما بما يوجب عزلهما، فهل على القاضي أن يقيم اثنين مقامهما أو يكتفي بالواحد؟ فيه خلاف، والحق أنّ على القاضي أن يراعي المصلحة، فإن اقتضت إقامة اثنين فعل، وإلاّ اكتفى بالواحد؛ لأنّ المهم تأدية الوصية على وجهها، وتعدد الأوصياء غالباً ما يكون لسبب خاص من شفقة الوصي وعطفه على القاصر، أو لصداقة بينه وبين الموصي. ومهما شككنا في شيء فإنّنا لا نشكّ في أنّه إذا مات الوصي واحداً كان أو أكثر تكون الحال كأنّه لم يكن وصي من أوّل الأمر.

وقال الإمامية والشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: ليس للوصي أن يفوض أمر الوصاية إلى غيره بدون إذن الموصي.

وقال الحنفية والمالكية: يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره بما أوصى به إليه غيره.

الإيصاء بالزواج:

اختلفوا: هل لمن له الولاية في الزواج أن يوصي به، فيقول للوصي: أقمتكَ وصياً على زواج ابنتي فلانة أو ابني فلاناً؟ قال مالك: يجوز ذلك. وقال أحمد: إن نص الأب على زوج معيّن صحّت الوصاية بالزواج، وإلاّ فلا.

ونقل الشيخ أبو زهرة في كتاب الأحوال الشخصية باب الولاية عن جمهور الفقهاء أنّ الإيصاء بالزواج لا يجوز، وبه قال الإمامية.

إقرار الوصي:

إذا أقر الوصي بدين أو عين على الميت، فلا ينفذ إقراره بحق الصغير، ولا بحق غيره من الورثة؛ لأنّه إقرار بحق الغير، وعند الخصومة يُعتبر الوصي شاهداً يُشترط فيه ما يُشترط في الشاهد، إذا لم يكن هو أحد طرفي الدعوى.

وإذا شهد الوصي للأطفال أو للميت لا تُقبل شهادته؛ لأنّه يثبت لنفسه التصرف فيما يشهد به.

ضمان الوصي:

إذا تلف شيء في يد الوصي فلا ضمان عليه إلاّ مع التعدي والتقصير.

إذا كبر الصغير وادّعى الخيانة على الوصي أو التقصير، فالبينة على الصغير واليمين على الوصي؛ لأنّ الوصي أمين، وفي الحديث: (ليس على الأمين إلاّ اليمين).

ولكل إنسان أن يُقيم الدعوى على الوصي بأنّه خائن أو مقصّر، على

شريطة أن يكون مخلصاً في قصده متقرباً إلى الله بعمله، أمّا إذا عُلِم بأنّه لا يبغي إلاّ التنكيل والتشهير بالوصي لعداوة بينهما فلا تُسمع دعواه.

إذا مات إنسان بدون وصية وتعذّر الرجوع إلى القاضي، يجوز لثقة أمين من المسلمين أن يتولى أموره فيما فيه الخير والصلاح، بخاصة في المسائل الضرورية التي لا يمكن تأخيرها، وعلى القاضي فيما بعد أن يمضي تصرفاته، ولا يجوز له فسخها.

إثبات الوصية:

اتفقوا على أنّ الوصية بالمال والمنفعة تثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين من عدول المسلمين؛ لقوله تعالى:( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ) . واختلفوا في قبول شهادة العدول من أهل الذمة في خصوص إثبات الوصية، قال الإمامية والحنابلة: تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في خصوص السفر إذا لم يوجد غيرهم؛ لقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) (١٠٦ المائدة).

وقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا تُقبل شهادة غير المسلم بحال لا في الوصية ولا في غيرها، وقالوا: إنّ المراد بقوله تعالى( مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي من غير عشرتكم، لا من غير دينكم. (المغني ج٩ باب الشهادة).

وقال الشافعية والحنابلة والإمامية: يثبت المال بشاهد واحد ويمين.

وقال الحنفية: لا يقضى بشاهد ويمين. (المغني ج٩ باب الشهادة، والجواهر باب الشهادة).

وقال الإمامية: يثبت ربع المال الموصى به بشهادة امرأة واحدة، ونصفه بشهادة امرأتين، وثلاثة أرباعه بثلاث نساء، والكل بأربع،

بشرط العدالة في جميع الحالات، وهذا الحكم ممّا اختص به الإمامية من دون المذاهب؛ للنصوص الصحيحة عن أهل البيت.

هذا بالنسبة إلى الوصية بالمال أو المنفعة، أمّا الوصاية فلا تثبت إلاّ بشهادة رجلين مسلمين عدلين، فلا تُقبل شهادة أهل الكتاب، ولا شهادة النساء منفردات ولا منضمات، ولا شهادة رجل ويمين باتفاق الجميع.




0 comments:

Post a Comment

Highlights

Copyright © FIQH: Comparative Islamic Law All Right Reserved