Breaking News
Loading...

الزواج ... العيوب

العيوب

إذا وجد أحد الزوجين عيباً في الآخر فهل له فسخ الزواج؟ وللمذاهب تفصيل واختلاف في عدد العيوب الموجبة للفسخ، وفي أحكامها. وإليك البيان:


العنن:

العنن: داء يعجز معه الرجل عن عملية الجنس، ويوجب للزوجة خيار الفسخ بالاتفاق، ولكنّهم اختلفوا فيما لو عجز عن الزوجة وقدر على غيرها. فهل يكون لها الخيار؟

قال الإمامية: لا يثبت لها خيار الفسخ إلاّ مع عجزه عن جميع النساء، فلو عجز عن الزوجة فقط وقدر على غيرها فلا خيار(١) ؛ لأنّ الدليل دل على أنّ لزوجة العنين الفسخ، ومَن قدر على امرأة ما، لا يكون عنيناً بالمعنى الصحيح؛ لأنّ العنة نقص في جسم الرجل يوجب

____________________

(١) نقل الشهيد في المسالك عن الشيخ المفيد: إنّ العبرة في جواز فسخ المرأة الزواج أن يعجز عنها بالذات، حتى ولو قدر على غيرها، والاعتبار يساعد على ذلك.

عجزه عن جميع النساء، تماماً كالأعمى الذي لا يبصر شيئاً، وإذا افتُرض وجود شخص يعجز عن زوجته ويقدر على غيرها فلا محالة يكون السبب خارجاً عن أصل الحلقة، كالحياء، أو الخوف، أو لصفة في الزوجة توجب النفرة منها، أو غير ذلك، وإنّ كثيراً من المجرمين يبلغ فيهم كره الحلال إلى حد يوجب لهم العجز عنه، ويرغبون في الحرام رغبة تبعث فيهم القوة والنشاط.

وقال الشافعية والحنابلة والحنفية: إذا عجز عن إتيان الزوجة فلها الخيار، حتى ولو قدر على غيرها؛ لأنّه يُسمّى - والحال هذه - عنيناً بالنسبة إليها، وأيّ نفع يصل إلى الزوجة إذا أصاب غيرها!

ومهما يكن، فقد اتفقوا على أنّ المرأة إذا ادّعت العنة على زوجها، وأنكر، فعليها إقامة البينة على اعترافه بأنّه عنين، فإن لم تكن بينة(١) ينظر، فإن كانت بكراً عُرِضت على النساء الخبيرات، وعُمل بقولهن، وإن كانت ثيباً عرض عليه اليمين؛ لأنّه منكِر، إذ تدّعي هي وجود عيب فيه موجب للخيار، فإن حلف رُدت دعواها، وإن نكل حلفت هي، ثمّ يؤجله القاضي سنة قمرية، فّإن لم ينفعها طوال سنة خيّرها القاضي بعد انتهاء المدة بين البقاء معه والفسخ، فإن اختارت البقاء فالأمر إليها، وإن اختارت الفسخ فسخت هي، أو فسخ الحاكم بطلب منها. ولا تحتاج إلى طلاق عند الإمامية والشافعية والحنابلة. وقال المالكية: تطلق هي نفسها بأمر القاضي، ويرجع قولهم هذا في حقيقته إلى الفسخ. وقال الحنفية: القاضي يأمر الزوج بالطلاق فإن امتنع طلّقها هو.

وقال الحنفية: يثبت لها جميع المهر. وقال الإمامية: نصفه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا شيء لها.

____________________

(١) أُقيمت عندي دعوى من هذا النوع، ولما أحلتُ المدعى عليه إلى الأطباء أفادوا بأنّ الطب بعدُ لم يكتشف داء العنة، وأنّه لا يُعرف إلاّ بممارسة النساء.

وإذا عرضت العنة بعد العقد والدخول فلا خيار لها، وإن طرأ بعد العقد وقبل الدخول فلها الخيار، كما لو كانت العنة قبل العقد.

فائدة:

قال صاحب كتاب الجواهر ج٥ باب الزواج في مسألة العنن: لو أقر الزوج بالعجز عن إتيان الزوجة، وأجّله الحاكم سنة، وبعد انتهائها قال: دخلتُ. وقالت هي: لم يدخل. يؤخذ بقول الزوج مع يمينه، كما لو لم يقر بالعجز من أوّل الأمر، واستدل بأدلة دقيقة محكمة قلّ مَن يتنبه إليها؛ لأنّ دعوى الزواج - القدرة بعد الإقرار بالعجز - لا تُسمع؛ لأنّه مدع لشيء جديد بحسب الظاهر، ولكنّ الشيخ أبعدُ نظراً من الذين لا يرون إلاّ الظواهر، وإليك ما استند إليه:

أولاً: إنّ إقراره بالعجز قبل ضرب الأجل لا يثبت العنة، إذ العجز في حينه قد يكون عجزاً مؤقتاً وقد يكون دائماً، ووجود العام لا يثبت وجود الخاص، فإذا قلت: كتبت بالقلم، لا يدلّ قولك هذا على أنّ القلم الذي كتبت به قلم رصاص، أو قلم حبر، كذلك العجز لا يدل على العنة أو غيرها، فقد يكون لنقص في الخلقة، وقد يكون لسبب خارج عنها، واستصحاب العجز لا يثبت العنة إلاّ على القول بالأصل المثبت(١) .

ثانياً: إنّ المنكِر هو الذي لو سُكت عنه لسكت، والمدعي هو

____________________

(١) من الأصول الباطلة عند الإمامية الأصل المثبت، وهو ما يثبت الأثر باللزوم العقلي لا بالأصل الشرعي. فالاستصحاب حجة بالقياس إلى ما يترتب على المستصحب من أحكام دون لوازم العقل، فإذا استصحبنا بقاء الليل في رمضان، فهذا الاستصحاب يبيح لنا تناول الطعام، ولكنّه لا يثبت أنّ الساعة لم تبلغ الخامسة باعتبار أنّها وقت لطلوع الفجر.


الذي لو سُكت عنه لم يسكت. وبكلمة: إنّ المدعي هو الذي يأخذ بالخناق، ويثير الحروب. والمنكر هو الذي يطلب السلامة والخلاص. وليس من شك أنّ الزوجة لو سكتت عن دعوى العنة لسكت عنها الزوج، ولو سكت الزوج لم تسكت هي، فتكون - والحال هذه - مدعية عليها البينة، ويكون هو منكراً عليه اليمين.

ثالثاً: لقد ثبت في الحديث(أنّ الرجل إذا تزوج المرأة الثيب، وزعمت أنّه لم يقربها، فالقول قول الرجل، وعليه أن يحلف بأنّه قد جامعها) . فالحديث جعل اليمين على الرجل، ولم يفرق بين مَن سبق منه الإقرار بالعجز وغيره.

الجَب والخصاء:

الجب: قطع الذكر. والخصاء سل الإنثيين أو رضهما. ويثبت بهما خيار الفسخ للزوجة بالاتفاق من غير إمهال على أن يعرض الجب أو الخصاء قبل الوطء، أمّا لو حدث بعد العقد والوطء فلا خيار لها.

وقال الحنفية: إذا انتصب ذكر الخصي فلا خيار، حتى إذا لم يُنزل. وقال غيرهم: يثبت به الخيار انتصب أو لم ينتصب ما دام لم يُنزل؛ لأنّ عدم الإنزال عيب كالعنن.

ونقل الشهيد الثاني في كتاب المسالك ج١ باب الزواج: إنّ الخصي يولج، ويبالغ، وحالته في ذلك أكثر من الفحل، ولكنّه لا يُنزل، وهذا عيب يوجب الفسخ للأحاديث الدالة على أنّ لزوجة الخصي أن تختار فراقه.

وقال الحنفية: إذا تم الفسخ بسبب الجب والخصاء فلها المهر كاملاً. وقال غيرهم: إذا اختارت الفسخ بسبب الجب فلا مهر، حيث لا

دخول، وإذا اختارته بسبب الخصاء فلها المهر مع الإيلاج، ولا شيء لها بدونه.

ثمّ إنّ الحنفية لا يرون للرجل حق الفسخ، ولو رأى عشرات العيوب مجتمعة في المرأة، أمّا الزوجة فتفسح بالعيوب الثلاثة التي تكلمنا عنها، وهي الجب والخصاء والعنة، ولذا لا يبقى أيّ كلام للحنفية في العيوب الآتية:

الجنون:

اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على أنّ الزوج يفسخ العقد بجنون زوجته، والزوجة تفسخ بجنون زوجها. واختلفوا في التفاصيل، فقال الشافعية والحنابلة: يثبت الفسخ لكل منهما، سواء أَحدث الجنون قبل العقد أم بعده، وبعد الدخول أيضاً، ولا يُشترط الإمهال، كما هي الحال في العنن.

وقال المالكية: إذا حدث الجنون قبل العقد فلكل منهما الفسخ على شريطة أن يتضرر العاقل بمعاشرة المجنون، وإذا حدث الجنون بعد العقد تفسخ به الزوجة فقط بعد أن يؤجل الحاكم سنة قمرية، إذ ربّما عوفي أثناء هذه المدة، أمّا الزوج فلا يحق له الفسخ بجنون زوجته المتجدد بعد العقد.

وقال الإمامية: لا يفسخ الزوج بجنون زوجته المتجدد بعد العقد، حيث يمكنه الطلاق، وتفسخ هي بجنون زوجها، سوء كان الجنون قبل العقد أم حدث بعده وبعد الدخول.

واتفق الإمامية والحنابلة والشافعية والمالكية على أنّ لها المهر كاملاً مع الدخول، ولا شيء بدونه.

البرص والجذام:

قال الإمامية: البرص والجذام من العيوب التي يفسخ بها الرجل دون المرأة، على شريطة أن يحدث أحدهما قبل العقد، وأن يكون الرجل جاهلاً به، ولا يحق للمرأة أن تفسخ إذا كان أحد هذين العيبين في الرجل.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: هما من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة، ولكل منهما أن يفسخ العقد إذا وجد بصاحبه برصاً أو جذاماً، وحكمهما عند الشافعية والحنابلة حكم الجنون.

وقال المالكية: تفسخ الزوجة بالجذام إذا وجِد في الرجل قبل العقد وبعده، أمّا الرجل فيفسخ إذا كان الجذام في المرأة قبل العقد أو حينه. أمّا البرص فإن كان قبل العقد فلكل منهما حق الخيار، وإن حدث بعد العقد فالخيار لها لا له، ولا أثر للبرص اليسير بعد العقد. ويؤجل الحاكم الأبرص والمجذوم سنة قمرية مع احتمال الشفاء والبرء.

الرتق والقرن والعَفَل والإفضاء:

معنى الرتق: انسداد مدخل الذكر من الفرْج بحيث يتعسر معه الجماع. والقرن: شيء يبرز في الفرج، كقرن الشاة. والعَفَل: لحم في القُبُل لا يخلو من رشح. والإفضاء: اختلاط المسلكين.

وهذه العيوب الأربعة كما ترى مختصة بالمرأة، وهي عند المالكية والحنابلة توجب للزوج حق الخيار.

وقال الشافعية: الموجب للفسخ الرتق والقرن فقط، ولا تأثير للإفضاء والعفل.

وقال الإمامية: التأثير في حق الفسخ للقرن والإفضاء، أمّا الرتق والعفل فلا يوجبان شيئاً. وقالوا: إنّ العمى والعرج الواضح إذا وجِد

أحدهما بالمرأة قبل العقد ولم يعلم به الرجل يفسخ العقد إن شاء، ولا تفسخ المرأة إذا وجدت أحدهما بالرجل.

وفي رأينا أنّ أيّ مرض من الأمراض المختصة أو المشتركة بين الرجل والمرأة إذا أمكن استئصاله وعولج، ولم يترك العلاج أثراً مشوهاً ومعيباً فإنّ وجوده يكون كعدمه لا يوجب أي شيء؛ لأنّه - والحال هذه - يكون كسائر الأمراض العارضة التي لا يخلو أحد منها - في الغالب -. أمّا اهتمام الفقهاء بهذه العيوب منذ زمان فلأنّها كانت في عدهم مستعصية على فن الجراحة.

الفورية:

قال الإمامية: إنّ خيار الفسخ يثبت على الفور، فلو علم الرجل أو المرأة بالعيب فلم يبادر إلى الفسخ لزم العقد، وكذلك الخيار مع التدليس.

وقال صاحب الجواهر: إنّ الجهل بالخيار بل والفورية عذر؛ لإطلاق ما دل على الخيار. وقال أيضاً: إنّ الفسخ بجميع أفراده لا يتوقف على الحاكم، وإنّما يتوقف عليه ضرب الأجل في خصوص العنين.



0 comments:

Post a Comment

Highlights

Copyright © FIQH: Comparative Islamic Law All Right Reserved